هناك دائماً خطوة أولى لكل طريق .. والخطوة الأولى في طريق المحاماة هي الفهم الصائب لها ..
فإذا كنت قد قررت معي أن تصبح محامياً ناجحاً ، فلا بد وأن تبدأ في فك رموز هذه المهنة بكل ما تحتويها من متناقضات ، وأن تتوغل في مفهومها الذي اختلط على الكثير والكثير سواء ممن يمارسونها أو ممن يلجئون لهم ، ولا بد لك يا صديقي العزيز من أن تعلم أنك حينما قررت أن تصبح محامياً فإنك قد قررت في نفس الوقت أن تصبح حكماً وخصماً وجلاداً وصاحب حق في وقت واحد .. هذا الحق الذي قد تدافع عنه أو تحافظ عليه أو – لا قدر الله – تهيئ لك نفسك أن تغتصبه ، هذا الحق الذي قد تتباهى بحصولك عليه أو تخشى البوح باكتسابه ، الحق الذي أخذ معناه من صفات الخالق سبحانه وتعالى ..
وإذا كانت تلك هي الخطوة الأولى لكي تصبح محامياً ناجحاً .. فاسمح لي أولاً أن أصحبك معي في رحلة قصيرة ربما تساعدني وإياك على فهم أغوار هذه المهنة بكل ما فيها من ملذات ومنغصات ..
ولا أجد لبداية هذه الرحلة أفضل من بداية الخلق ، وكيف كان الخالق عز وجل أول من منح حق الدفاع لأول مجرم في الكون ، وكيف كان هذا المجرم أول من استخدم هذا الحق لدرء جريمته ومحاولة إثبات براءته ، ولو أنه قد استخدم الحجة الصحيحة وقدم الدليل الدامغ ، لكان أول حكم بالبراءة قد صدر في صالحه ..
ولكي لا أطيل عليك وقد بدأت معك في رحلتنا ، فلنستحضر سوياً أول جريمة ارتكبت في التاريخ من خلال آية كريمة تنبئ بهذه الحادثة وقد صاحبتني طويلاً وجعلتني أفكر فيها ملياً حتى اهتديت إلى بداية هذه الرحلة ..
حيث يقول الله عزّ وَجلّ ((وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ )) ..
وإذا كانت أول جريمة في الكون هي العصيان وأول مجرم في الكون هو إبليس وأول محكمة في الكون كان قاضيها رب العباد جلّ وعلا وحضورها هم الملائكة ، فإن أول حق منح في تاريخ البشرية أيضاً بعد حق الحياة ، الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحق الكرامة الإنسانية ، كان حق الدفاع ، وهو لب مهنة المحاماة وأساس ممارستها.
وعلى الرغم من أن الجرم الذي ارتكبه إبليس كان مشوباً بالكبر وأن حجة العصيان كانت واهية بما فيها من تكبّر على ما خلق الله بيديه سبحانه وتعالى ، إلا أن الله جلّ وعلا قد منح إبليس حق الدفاع عن نفسه بسؤاله سبحانه وتعالى لإبليس في قوله تعالى ((قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)) ، وإذا نظرت إلى تلك الواقعة بعين القانون سوف تجد أن الله قد أمر وأن إبليس قد عصى وخالف ما أمر الله عز وجل ، ومع ذلك قدم الله سبحانه وتعالى لإبليس الاتهام بهذا السؤال ، وترك له الفرصة في دفع الاتهام لكي يحمي نفسه من العقاب حين تركه يجيب ((قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)) ولو أن هذه الحجة دامغة لما أمر الله بعقاب إبليس وإخراجه من رحمته – سبحانه وتعالى – التي وسعت كل شيء ..
كانت هذه في وجهة نظري بداية الرحلة لإقرار حق الدفاع في الكون أجمع ، ولك عزيزي القارئ وصديقي العزيز أن تستحضر معي عظمة هذا الحق وقد أقرّه الله سبحانه وتعالى وجعله تالياً مباشرة لإقرار حق الحياة لهذه البشرية ، بل إن سبب نشأته هو إهدار إبليس لحق الإنسان في الكرامة التي منحها له الله عز وجلّ ، وفي هذه الحادثة ما يؤكد أن الله سبحانه وتعالى قد منحنا العديد والعديد من الحقوق كان أسماها وأولها بالتوالي حق الحياة ، حق الكرامة ، وحق الدفاع .. وهي في مجملها تؤكد كيف فضّلنا الله سبحانه وتعالى على كثير من خلقه عزّ وَجلّ .
بل إن هذا الحق – حق الدفاع – قد تأكّد للمرة الثانية حينما أمر الله جلّ وعلا آدم وزوجته حواء أن يسكنا الجنة ويأكلا من ثمارها ويبتعدا عن شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها ، فأكلا منها بعد أن أضلّهما إبليس وخالفا أمر الله سبحانه وتعالى فانكشفت لهما عوراتهما ، ورغم المخالفة – أيضاً – منحهما الله سبحانه وتعالى حق الدفاع (( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ )) ..
إلا أن ممارسة آدم وحواء لحق الدفاع في هذه الواقعة اختلف عن ممارسة إبليس ، حيث اتسمت بالاعتراف بالخطأ وطلب الغفران ، (( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) ، بعد أن سمح لهما الله ببيان حجتهما المتمثلة في استجابتهما للإغواء .
والآن .. وبعد أن بدأت معك صديقي العزيز بهذه الحادثة لنستحضر سوياً عظمة المهنة التي قررت أن تمارسها فاسمح لي أن أطلب منك أن يكتمل قرارك بان تمارس هذه المهنة بنجاح وأن أتابع معك في هذا الكتاب رحلة ليست بقصيرة نبحر فيها سوياً في أعماق مهنة المحاماة ..
وإذا كان في القرآن الكريم ما يدل على منح حق الدفاع للمتهم في أكثر من موضع تأكيداً لهذه القيمة الربانية التي بدأت مع بدء الخلق في حادثة السجود لآدم عليه السلام وحادثة الشجرة وتنتهي مع نهاية الخلق حينما يعرض الإنسان أمام رب العباد وكتابه بيمينه أو بيساره بعد أن يحاسب وكانت هي المرحلة الأولى لإقرار هذا الحق ، فإن السنة النبوية الشريفة قد جاءت بما يدل على بدء المرحلة الثانية لنشأة هذا الحق ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنما أنا بشر .. وإنكم تختصمون إليّ .. ولعل أحدكم ألحن بحجته من أخيه فأحكم له ، فكأنما قضيت له بقطعة من النار )) ..
وفي هذه المرحلة يتضح جلياً لكل ذي لبّ أن تقييم هذا الحق أصبح مختلفاً عن المرحلة السابقة التي كان الحَكَمُ فيها هو الله سبحانه وتعالى منزهاً عن كل تشبيه ، وكانت عدالة السماء هي المعيار الأوحد للحُكْم والعدل المطلق هو القوام الوحيد لهذا المعيار ..
ففي المرحلة الثانية تدخلت عوامل أخرى لقياس الحقوق ، وتغيّر وضع الميزان بسبب هذه العوامل التي كان أولها القصور الإنساني في تطبيق العدل المطلق بما يحويه هذا القصور من صفات بشرية سواء كانت طامحة أو منحطة ..
ويحدثنا الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله – عن تأثر البشر كأحد هذه العوامل المؤثرة في قياس الحقوق ، ويبدأ حديثه بقول الله تعالى (( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ )) ..
ثم يستطرد فضيلته فيقول ” إن داود عليه السلام قد تأثر بالموقف ، هاله أن يتسلط من يملك تسعاً وتسعين نعجة على من لا يملك سوى نعجة واحدة .. ذكر العدد الضخم ليس حجة ، ألا يحتمل أن من لا يملك شيئاً قد يكون معتدياً .. والأجدر ألا يكون للعدد الضخم دخل في الحكم ولا في حيثية الحكم .. لكن العاطفة لدى داود اتجهت نحو الفقير الذي لا يملك سوى نعجة واحدة .. ولذا فإنه عندما جاء يحكم لم يحكم في القضية .. وإنما قال : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه .. “
ويضيف فضيلته قائلاً .. وقوله تعالى (( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ )) .. أي اختبرناه .. عرضنا عليه مسألة ، وجعلنا أحد الخصمين يحسن العرض ، ويستميل داود إلى جانبه حتى اعتبر منطقه ضمن حيثيات الحكم ، وهو خارج عنها ))[1] ..
والحقيقة أن في هذا المثال ما يؤكد أن مهمة القاضي وهو بصدد القضاء بين المتخاصمين ليست سهلة أبداً ، حيث يمكن أن يخضع القاضي – لكونه بشراً – لشيء من عواطفه دون قصد ، وهذا بالتأكيد ما أظهر في هذه المرحلة الحاجة الملحّة إلى المحاماة لعرض حجج المظلوم ودَفْع افتراء الظالم ، خاصة وأن القاضي لم يعد منزهاً عن الخطأ بل إنه لم يعد بعيداً عن الميل إلى هوى نفسه والحكم بما يعتقد بعيداً عن فكرة العدل المطلق الذي يحكم به الله سبحانه وتعالى ..
وفي ذلك أيضاً – وتأكيداً لتلك الفكرة – استحضر رواية فضيلة الشيخ الشعراوي – رحمه الله – في كتابه القيّم عن أحد القضاة يقول للخليفة : يا أمير المؤمنين اعزلني عن القضاء ، فيقول له الخليفة : لماذا ؟ وهل نجد أعدل منك ؟ فيقول القاضي : يا أمير المؤمنين ، لقد شاع عند الناس أنني أحب الرطب ، فبينما أنا في البيت ، إذ طرق بابي طارق ، فخرج خادمي ، وعاد بطبق من الرطب ، وكان في بواكيره .. فسألت خادمي عن أوصاف الرجل الذي جاء بالرطب ، فاتضح لي أن لهذا الرجل قضية معروضة أمامي ، فأمرت الخادم برد الرطب إليه .. فلما أصبح الصباح وجلست على منصة القضاء ، ووقف الرجل والخصم أمامي .. فوالله يا أمير المؤمنين لم يستويا أمامي بالرغم من أنني رددت الرطب إلى الرجل .. فما بالك يا أمير المؤمنين لو كنت قبلت هدية الرطب من الرجل[2] ..
[1] الشيخ / محمد متولي الشعراوي ، القرآن الكريم معجزة ومنهج ، دار الندوة الجديدة – بيروت ، 1987 ، الطبعة الأولى ، صـ 77
[2] الشيخ / محمد متولي الشعراوي ، المرجع السابق